الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الشوق إلى الله

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
admin

avatar

تاريخ التسجيل : 08/03/2013

مُساهمةموضوع: الشوق إلى الله   13.02.14 20:26


الشوق إلى الله

خطبة جمعة بمسجد محمد الفاتح

بتاريخ 11/6/1432هـ

أعدها

أبو البراء عادل بن أحمد باناعمة

- الحمدلة .

إذا كان حب الهائمين من الورى ... بليلى وسلمى يسلب اللب والعقلا

فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي .. سرى قلبه شوقاً إلى الملأ الأعلى ؟!

يضعنا هذا الشاعر المحب وجهاً لوجه أمام نوعينِ من الأشواق :

شوقٌ إلى ليلى وسلمى .. وقس على ذلك : سوزان ، وعبير ، ودلال .. وهمل جراً .

ويمكنك أن تفرع عليه الشوق إلى كل دنيويٍّ فانٍ .

وشوق آخر في مقابل الشوق الأرضي .. هو شوق إلى الملأ الأعلى .. شوقٌ إلى الله .. إلى الملائكة .. إلى النعيم الأخروي الذي أعده الله للمتقين .. إلى كل ما يتصل بالذات الإلهية ويقرب إليها أو يكون عطاءً منها .

فهل يستوي الشوقان ؟!!

كأنّي بصاحب الشوق الأول يقرّ للثاني معترفاً ويقول :

فشتان شتانَ ما بيننا ... لقد فتَّ بالفضل فوتاً مبينا

إن القرآن الكريم أيها الإخوة والأخوات يعقد لنا مقارنات كثيرةً تبيّن لنا منازل الأشواق ومراتبها .

لنتأمل معاً قوله تعالى : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ )

يحدثنا الله تعالى هنا عن مرتبتين من الحبّ : حب المشركين لأصنامهم .. وحب المؤمنين لربهم . ويبين سبحانه أن المؤمنين أشد حباً لربهم من هؤلاء المشركين لأصنامهم ، ذلك أن المؤمن يُفرد الله بكمال الحب والعبادةِ ، أما المشركون فإنّهم إذا ضاقت بهم الأمور تركوا أصنامهم ( ودعوا الله مخلصين له الدين ) ! بل قد يفعلون أكثر من ذلك .. فقد روى الإخباريون أن قبيلة باهلة كان له إلهٌ من حيسٍ أي : من تمرٍ . فلمّا نزلت بهم مجاعةٌ شديدةٌ أكلوه !!

والآية دليلٌ صحيحٌ صريح على أنّ كل حبٍّ وشوقٍ في الدنيا مهما علا وتمكّنَ وتأصّل فلن يكون أشد ولا أكمل ولا أجمل من حبّ المؤمن الصادق لربه وشوقه إليه .

ولا تتصور أخي الكريم اختي الكريم أنّ هذا التفاوت في مراتب الأشواق إنما يكون بين المؤمنين والمشركين فحسب .. كلا .. بل المؤمنون أنفسهم تتفاوت مراتبُ أشواقهم .. ومتعلَّقاتُ قلوبهم .. وقد حدثنا القرآن الكريم عن أطهر جيل على وجه الأرض فقال : ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ! وسبب نزول هذه الآية أن النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ أحدٍ جعل طائفةً من الرماةِ على الجبلِ وأمّر عليهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه ، وقال لهم : ( كونوا مسلحةَ الناس ) أي : حُماةَ ظهرهم ، وأمرهم ألا يغادروا مكانهم ، فلما التقى القوم، هُزم المشركون فجعل بعضُ الرماةِ يقولون:"الغنيمة، الغنيمة"! وعبد الله بن جبير ومن ثبت معه يقولون لهم: مهلا! أما علمتم ما عهدَ إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأبوا، فانطلقوا، فحينئذٍ وقعتِ العقوبة الربانية ! ( ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ) .

لقد كان هذا التفضيلُ لأشواق الدنيا على أشواق الآخرةِ كارثةً على الأمة المسلمةِ يومها .. وكان من آثاره شَجُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخول حلقة المغفر في وجنتيه الشريفتين ، واستشهاد من استشهد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال السدّي: الذين انطلقوا يريدون الغنيمة هم الذين أرادوا الدنيا، والذين بقوا وقالوا:"لا نخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم"، هم الذين أرادوا الآخرة. [ الطبري ]

وكان ابن مسعود يقول: ما شعرت أن أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرَضَها حتى كان يومُ أحد !!

تُرى .. بعد أن رأينا تفاوتَ مراتب الناس بتفاوت مراتب أشواقهم .. أين نحن ؟ وماهي أشواقنا ؟

إن الناس في أشواقهم على ثلاثةِ مراتب :

مرتبةُ السابقين : وهم أولئك الذين توجهت أشواقهم إلى معالي الأمور وكرائمها ، فامتلأت قلوبهم بالشوق إلى الله وجنته ورسوله وضروب طاعتِهِ

مرتبة العالقين : وهم الذين تنازعتهم الأشواق ، فمرةً إلى العليا ومرةً إلى الدنيا ، يسمو بهم إيمانهم وتكبو بهم أدرانهم .

مرتبة الغارقين : وهم الذي غرقوا في الدنيا ، فما عرفوا شوقاً إلى غيرها ، ملأت قلوبهم فسعوا إليها لا يبالون حلالها من حرامِها . وتضخمتْ محبتها حتى لم تبق لمحبة الله مكاناً .

وقد قال صلى الله عليه وسلم مشيراً إلى هذا المعنى : ( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله سائر همومه ، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتها هلك ) [ ابن ماجه ]

ولسنا نقولُ : إن المرءَ لا يحبّ الدنيا وما أنعم الله به عليه فيها فقد قال سبحانه : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) .. ولكننا نقول: قد جعل الله لكل شيءٍ قدراً .

وأنا اليوم أريد أن أشير فقط إلى واحدٍ من هذه الأشواق الجليلة ..

إلى الشوق الأعظم .. والحب الأكبر ..

الشوق الذي يغمرُ قلب المؤمن الصادق .. فإذا هو يحلقُ في عوالمَ من الطهر والسرور والأنس والرَّوح .

إنّه الشوق إلى الله جلّ جلاله ..

ذلك الشوق الذي حمل موسى عليه السلام على أن يسبق السبعين الذين اختارهم لميقات ربه .. فأمرهم أن يتبعوه وأسرع هو إلى موعدِهِ مع خالقه وهو يقول: ( وعجلتُ إليك ربّ لترضى ) .

ورضي الله عن ابن القيم حيث يقول: "سعادة العبد التي لا سعادة له بدونها و لاحياة له إلا بها أن تكون إرادته متعلقة بالمراد الذي لا يبلى و لا يفوت ، وعزمات همته مسافرة إلى حضرة الحي الذي لا يموت )) [ مفتاح دار السعادة]

فهلموا أيها الإخوة والأخوات إلى جنةِ الشوق .. ونعيم المحبة.

الجزء الأول ...

إن الشوق إلى الله ومحبته " هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون ، وإليها شخص العاملون ... وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام ، و اللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم و آلام … تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا و الآخرة … أجابوا منادي الشوق إذ نادى بهم : حي على الفلاح ، وبذلوا في طلب الوصول إلى محبوبهم و كان بذلهم بالرضا و السماح . )) [ تهذيب المدارج لابن القيم 509-511 ، بتصرف ]

وحب الله و الشوق إليه أصل الإيمان ، و معقد من معاقده ، وفي الحديث عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ [ البخاري 16 ]

بل كان أنبياء الله صلوات الله و سلامه عليهم يسألون الله حبه و الشوق إليه !

عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم كان من دعاء داود يقول اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك والعمل الذي يبلغني حبك اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد قال وكان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم إذا ذكر داود يحدث عنه قال كان أعبد البشر [ الترمذي 3490 ]

وهذا نبينا عليه الصلاة و السلام يروي عنه عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري أنه كان يقول في دعائه اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك [ الترمذي 3491 ]

وكان من دعائه عليه الصلاة و السلام : (( وأسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة )) [ النسائي 1288 ]

بل تأمل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من أنه كان يفرح بالمطر ويتلقاه بثوبه و يقول : إنه حديث عهد بربه )) وفي هذا من الشوق إلى المولى عز وجل ما فيه [ صلاح الأمة 5/748 ]

ومن لطيف نظرات المحبين في كتاب الله ، ما ذكره ابن القيم عن قوله تعالى (( من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت )) قال : قيل : هذا تعزية للمشتاقين ، وتسلية لهم ، أي أنا أعلم أن من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إلي ، فقد أجلت له أجلا يكون عن قريب ، فإنه آت لا محالة ، وكل آت قريب . قال : وفيه لطيفة أخرى هي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء …

لولا التعلل بالرجاء لقطعت ... نفس المحب صبابة و تشوقا

ولقد يكاد يذوب منه قلبه ... مما يقاسي حسرة و تحرقا

حتى إذا روح الرجاء أصابه ... سكنَ الحريق إذا تعلَّلَ باللقا [ تهذيب المدارج 525 ]

وقال إبراهيم بن أدهم : أعلى الدرجات أن يكون حب الله عندك أحلى من العسل ، وأشهى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف . [ صلاح الأمة 5/704 ]

وما ألطفَ وأحسن ما قاله ذلك الشاعر المحب :

ماعنك يشغلني مالٌ ولا ولدٌ ... نسيتُ باسمكَ ذكرَ المالِ والولدِ

فلوسفكتَ دمي في الترب لانكتبت ... به حروفك لم تنقص ولم تزدِ

إنه يقول : إن دمه لو جرى على الأرض لكتب كلمة ( الله ) ! لما جرى في هذا الدم من محبة الله والشوق إليه .

إنّ عالم المشتاقين إلى الله أيها الأحبة عالمٌ عجيب ! ملؤ النور والبهاء، وملؤه السكينة والنقاء ، وملؤه كذلك اللذة والهناء . ألم تر إلى قول ذي النون : إذا استحكمت معاني المحبة في قلب المؤمن سكن بعدها الشوق، فإذا اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله، فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله فإذا اطمأن كان ليله في نعيم و نهاره في نعيم و سره في نعيم وعلانيته في نعيم.

وانظروا أيها الإخوة والأخوات إلى غرائب أحوال المشتاقين وأقوالهم:

كان أبو الدرداء يقول : أحب الموت اشتياقا لربي.

قال عبد الله بن زكريا : لو خيرت بين أن أعيش مائة سنة في طاعة الله أو أقبض في يومي هذا أو في ساعتي هذه لاخترت أن أقبض في يومي هذا و ساعتي هذه شوقا إلى الله و إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى الصالحين من عباده

صحب رجل الفتح بن شخروف ثلاثين سنة . قال : فلم أره رفع رأسه إلى السماء إلا مرة واحدة رفع رأسه و فتح عينيه و نظر إلأى السماء ثم قال : ثد كال شوقي إليك فعجل قدومي عليك

وقال يحيى بن معاذ : يخرج العارف من الدنيا و لا يقضي وطره من شيئين : بكاؤه على نفسه و شوقه إلى ربه

قال عبد الواحد بن زيد : يا إخوتاه ألا تبكون شوقا إلى الله ؟ ألا من بكى شوقا إلى سيده لم يحرمه النظر إليه .

وكان أبو عبيدة الخواص يمشي في الأسواق و يقول : واشوقاه إلى من يراني و لا أراه

وكان الحارث بن عمير يقول إذا أصبح : أصبحت و نفسي و قلبي مصر على حبك و مشتاق إلى لقائك فعجل بذلك قبل أن يأتيني سواد الليل . فإذا أمسى قال مثل ذلك فلم يزل على مثل هذه الحال ستين سنة!

ودُخِل على عابد و هو يجود بنفسه ويقول : أنا عطشان لم أرو من حب ربي ! وجائع لم أشبع من حب ربي.

قلوب العارفين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرونا

وأجنحة تطير بكل شوق فتأوي عند رب العالمينا

فانظر إلى قلبك الآن أيها الأخ .. ابحث فيه .. أتجد شوقاً إلى خالقك؟ وحنيناً إلى لقاء مولاك ؟ ونزوعاً إلى رؤية وجهه الكريم ؟!! إن وجدت فافرح وازدد .. وإلا فاستدرك.

الخطبة الثانية ..

تُرى ماهي الخطوات العملية التي يتوصل بها الإنسان إلى تحقيق محبة الله ومن ثم الشوق إليه ؟ قد يكون من الصعب حصرُ كل الوسائل .. ولكنني أكتفي بالإشارة إلى خمس وسائل تغرسُ محبة الله في قلوبنا .

الوسيلة الأولى : تذكرُ نعم الله .

ذلك أن النفوس جُبلت على حُبِّ من أحسنَ إليها ، وقد كان صفوان بن أميةَ لا يبغض أحداً كما يُبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمازال نبيّنا يتألفُهُ بالعطاء حتى لم يكن في قلبه أحدٌ أحبّ إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم .

عندما تفكر أخي / أختي في نعم الله عليك .. تشعر بمحبة الله تتسلل إلى قلبك .. فكر قليلاً من حفظكَ في بطن أمك وأوصل إليك طعامك وشرابك ؟ من وهبك هذه الروح التي تغدو بها وتروح ؟ من منحك هذا الجسد ؟ من ركب فيه العينين لتبصر والأذنين لتسمع ؟ من أنشأك في أحسن تقويم ؟ من تكفّل بحركة قلبك ونفسك ولو وُكلت إليكَ لهلكتَ من ساعتك ؟ وقبل هذا كله .. من اصطفاك بالإيمان ؟ وجعلك من المسلمين ؟! ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) .

إن الله يأمرنا في مواضع كثيرةٍ من كتابه أن نتذكر نعمه لتنمو في قلوبنا محبته فقد تكرر قوله تعالى : (اذكروا نعمة الله عليكم ) نحواً من ثمانية مرات .

وفي الحديث : ( أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه ) .[ الترمذي ]

وقال أبو سليمان الواسطي : ذكر النعم يورث المحبة لله تعالى . وقال الجنيد : المحبة تُنال باشتغال القلب بذكر نعم الله عز وجل .

الوسيلة الثانية : ذكر الله

فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره ، ومن أكثر من ذكر شيء أحبه .

قال ذو النون : وذكر الله الدائم مفتاح باب الشوق ، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه

الوسيلة الثالثة : الإكثار من قراءة القرآن .

قال صلى الله عليه وسلم : ( من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف ) [ الطبراني وصححه الألباني ] . وفي الأثر : ألا من اشتاق إلى الله فليستمع كلام الله ، فإن مثل القرآن كمثل جراب مسك أي وقت فتح فاح ريحه [ كنز العمال ]

ذلك أن إدمان قراءة القرآن تورث القلب رقةً وخشيةً وتجعلُهُ محلاً قابلا لنبات المحبة ، كما أنّ في القرآن من ذكر نعم الله وإفضاله ،وبيان جلال أسمائه وصفاتِهِ ما يملأ النفس حباً وشوقاً .

الوسيلة الرابعة : الدعاء .

فالقلوبُ بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ، فمن أراد أن يصرفَ قلبه إلى محبة الله والشوق إليه فطريقه أن يطرق باب الكريم ويسأله مناه . وقد مرّ بنا سؤال داود علينا السلام ربه أن يرزقه محبته ، وسؤالُ نبينا صلى الله عليه وسلم ربه الشوق إلى لقائه . وفي ذلك أسوةٌ لنا .

أما الوسيلة الخامسة .. فهي أن نجيب على سؤال مهم .. لماذا نحبُّ الله ونشتاق إليه ؟

إننا نحبُّ الله لأنّه سبحانه يحبُّ من يحبُّهُ ، ويشتاق إلى من يشتاق إليه .. قال بعض الصالحين: قلوب العاشقين منورة بنور الله ، فإذا تحرك اشتياقهم أضاء النور ما بين السماء والأرض فيعرضهم الله على الملائكة فيقول: هؤلاء المشتاقون إليّ ، أشهدكم أني إليهم أشوق .

وجاء في الأثر أن الله يقول: ألا قد طال شوق الأبرار إلى لقائي ، وإني إليهم لأشد شوقاً [ المحبة للجنيد ]

إنّنا نحبّ الله لأنّه سخّر لنا الكونَ كله .. ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) ، ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ) . لقد ألفنا هذا التسخير فما عدنا نشعر به ولا بعظيم الامتنان والمحبّة لمن هيأه لنا . دعونا نفكر في مثال واحدٍ .. سخر الله الشجر والماء والتربة وما فيها من كائنات دقيقةٍ ليخرج لنا هذا المصنع المتكامل ما نحتاج إليه من الثمار ! تصور لو أنَّ الإنسان كان محتاجاً لتكوين هذه الثمرة بنفسِهِ من خلال جمع أجزائها أو خلط مكوناتها ؟! كم سنحتاج من وقت لنحصل على تفاحة واحدةٍ ؟ أو خيارة واحدة ؟

إننا نحب الله لأنه أكرمنا وغمرنا بجزيل إحسانِهِ .. ( من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) ، ( من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة ! ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة ) ! ( يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ) ! ( ينزل كل ليلة في الثلث الآخر فيقول : هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فأغفر له ) ! ( ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولاهم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ) .

إننا نحب الله لأنّه رحيمٌ بنا ، مشفقٌ علينا ، رؤوف بنا ، قال تعالى : ( إن الله بالناس لرؤوف رحيم ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : لله أرحم بعبده يوم يأتيه من أم واحدٍ فرشت له بأرض قرّ ، ثم لمست فراشه بيدها فإن كان به شوكة كانت قبله ، وإن كانت لدغة كانت بها قبله ! [ حسن الظن لابن أبي الدنيا ]

إننا نحب الله لأنه يقبل علينا ، ويفرح بنا ، ويُسر بحبنا وطاعتنا .. ففرحه بتوبة العبد أشد من فرح المقبلِ على الموتِ جوعاً وظمأ إذا وجد دابته وفيها طعامه وشرابه ، وهو سبحانه الذي يقول : ( من تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ، ومن تقرب مني ذراعا ، تقربت منه باعاً ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) [ مسلم ]

إننا نحبّ الله لأنه يحلُمُ علينا وعلى عصياننا وجهلنا ولا يؤاخذنا بسفهِنا وجهلنا ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ).

إننا نحب الله لأنه الله .. وكفى !

_________________






بسم الله الرحمن الرحيم

"نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ." (الواقعة:57) 

نعم .. صدقنا وآمنا بك يا رب، كيف لا
ونحن نشاهد عظمة خلقك وبديع صنعك وإعجاز تقديرك؟!!







_______________________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://123sss.2areg.com
 
الشوق إلى الله
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى العلم والايمان :: الأقسام الإسلامية :: قطائف ورقائق إيمانية-
انتقل الى: